أبو الصلاح الحلبي

162

تقريب المعارف

لبعض ، ولو جاز لوقع العلم به ضرورة ، لأنه لا يكون إلا باجتماع في مكان واحد أو بتكاتب وتراسل ، وكل منهما لو وقع من الجماعات المتباعدة الديار لحصل العلم به لكل عاقل . وافتعاله ابتداء بنفر يسير وانتشاره فيما بعد يسقط من وجهين : أحدها : تضمن نقل من ذكرناه صفة الناقلين واتصالهم بالنبي لصفتهم المتعذر معها الافتعال في المنقول ، فما منع من كذبهم في النقل للخبر يمنع منه في صفة الناقلين . والثاني : أن النقل لهذه المعجزات لو كان مفتعلا من نفر يسير ثم انتشر لوجب أن نميزهم بأعيانهم ، ونعلم الزمان الذي افتعلوه فيه ، حسب ما جرت به العادات في كل مفتعل مذهبا : كملكا ويعقوب ونشطور ومنتحلي الإنجيل كمتا ولوقاوينا ( 1 ) ، وكمنشئي القول بالمنزلة بين المنزلتين من واصل وعمرو بن عبيد ، وما أفتاه جهم بن صفوان ، وما ابتدعه أبو الحسن الأشعري ، وما اخترعه ابن كرام ، وتميز الأوقات بذلك وتعين المحدث فيها . وإذا وجبت هذه القضية في كل مفتعل ، وفقدنا العلم والظن بمفتعل هذه الآيات وزمان افتعالها ، بطل كونها مفتعلة ، وإذا تعذرت الوجوه التي معها يكون الخبر كذبا في مخبر الناقلين لأيام النبي ، ثبت صدقهم . وأما الدلالة على الثاني فهو : أن كل متأمل يعلم تعذر رد الشمس وانشقاق القمر على كل محدث ، وأما نبوع الماء من بين الأصابع فمختص بإيجاد الجواهر وما فيها من الرطوبات التي لا يتعلق بمقدور محدث ، وكذلك القول في إشباع الخلق الكثير بيسير الطعام وهو لا محالة مستند إلى ما لا يقدر عليه غيره ( 2 ) تعالى ، لرجوعه إلى إيجاد الجواهر المماثلة للمأكول ، مع علمنا بتعذرها

--> ( 1 ) كذا في النسخة . ( 2 ) في النسخة : " قوله " .